فخر الدين الرازي

99

الأربعين في أصول الدين

وكل واحد من هذه الأقسام متميز عن الآخر في الذهن ولم يلزم من ذلك كونها ثابتة في العدم ، فكذلك هاهنا . وأما الحجة الثانية التي عولوا عليها في أن المعدوم شيء . وهو قولهم : ان الممكن هو الّذي يمكن تقرر ماهيته تارة مع العدم ، وأخرى مع الوجود . وذلك يقتضي جواز تقرر الماهية بدون الوجود . فجوابها : ان الماهية إذا كانت واجبة التقرر حالتي العدم والوجود ، ممتنعة التغير في نفسها ، أمتنع جعل الامكان صفة لها ، بل الامكان يكون صفة للوجود . ثم انا توافقنا على أن الوجود غير ثابت في العدم ، فعاد ما ذكرنا من أن الّذي يمكن جعل الامكان وصفا له لا يعقل اثباته في العدم ، وما يمكن اثباته في العدم ، لا يمكن جعل الامكان وصفا له . وأما الحجة الثالثة : وهي قولهم : الامكان صفة موجودة حاصلة قبل الوجود ، فوجب تحقق الماهية قبل الوجود . فجوابها : قد تقدم في مسألة حدوث العالم . وأما الحجة الرابعة : وهي قولهم : لو كانت الماهية متجددة ، لكان وقوعها بالفاعل ممكنا . لكن وقوعها بالفاعل محال . فجوابها : ان القادر كما يجعل الماهية موجودة ، فهو يجعل الماهية ماهية . والحجة التي تمسكتم بها في امتناع وقوع الماهية بالفاعل ، فهي بعينها تقتضى امتناع وقوع الوجود بالفاعل ، فإنه لو وقع الوجود بالفاعل ، لزم عند تقدير عدم ذلك الفاعل ، أن يخرج الوجود عن كونه وجودا . وهو محال . فان التزموا أن الوجود لا يقع بالفاعل ، وزعموا : أن الواقع